حيدر حب الله

14

شمول الشريعة

وعلى خلفيّة طبيعة العلاقة المفترضة بين الدين من جهة والعقل والتجربة الإنسانيّة والعلم و . . من جهة ثانية ، يمكن الحديث أيضاً في سياق هذا البحث عن حجم العلاقة بين الدين والعلمانيّة بمعنى فصل الدين عن الدولة والإدارة السياسيّة الاجتماعيّة ، فكلّما اتسعت مساحة الشريعة تقلّصت فرص التوافق بين الدين والعلمانيّة ( أعني بالعلمانية هنا أنّ إدارة الحياة الإنسانية شأنٌ بشريّ وزمني ، وأنّ السلطة شأنٌ بشري محض ) ، لهذا نجد أنّ الذين يذهبون نحو مقولة الدين بحدّه الأدنى عادةً ما يندمجون سريعاً في فكرة العلمنة ؛ لأنّ سياقاتهم الفكريّة تسمح بذلك فوراً ، بينما الذين يذهبون نحو الدين بحدّه الأعلى يجدون صعوبةً بالغة في التوفيق بين العلمانيّة والإسلام . إنّ هذه نتائج طبيعيّة ومتوقّعة ينبغي أن نكون واعين لها وتكشف لنا أيضاً عن أهميّة هذا البحث وخطورته العالية . ولابدّ لي أن أشير إلى أنّ صراع العلم والعقل والتجربة مع النصّ ، لم يعد يقف عند حدود العلوم التجربيّة ، كما هي الحال السائدة إلى القرن العشرين ، بل في هذا القرن ارتفع معدّل النزاع ليبلغ العلوم الإنسانيّة نفسها والتي أخذت تزاحم النصّ والوحي في مساحات اشتغالهما بالإنسان نفسه . أهميّة البحث وضرورته ممّا تقدّم تلوح لنا أهميّة هذا البحث وضرورته وكذلك الفوائد الناتجة عنه ، إنّه يحدّد لنا هويّة الشريعة بدرجة معيّنة ومساحة نشاطها ، ويحدّد لنا - بدرجة معيّنة أيضاً - موقفنا من العقل والتجربة الإنسانيّة في إدارة الحياة ، كما يعيّن لنا المرجع في سنّ القوانين السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وغيرها ، ويساهم كذلك في وضع رؤية للعلاقة بين الدين والعقل والعلم والتجربة الإنسانيّة ، بل سنرى كيف أنّه يساهم في تحريك عجلة التفكير في وضع درجة قياس معيّنة بين الشريعة والحياة ، ويحاول أن يبيّن كيفية تغطية الشريعة لها ، وشكل هذه التغطية ، وطبيعة تعامل الشريعة مع المتغيّرات والمستجدات ، بما يؤسّس لفقه المتغيّرات إلى جانب فقه المستحدثات والنوازل ، كما يترك البحث تأثيرات خطيرة جداً على مناهج الاجتهاد الشرعي نفسها ، مما سوف نتكشّفه في ثنايا الكتاب . وهو - مع هذا كلّه - يقدّم لنا ضلعاً من أضلاع رؤية دينيّة فلسفيّة في طبيعة تدخّل الله في